الخميس، 25 ديسمبر 2008

مقاله من جريده الوطن السعوديه للاستاذه ايمان


الشيخ الرمز، والعاصمة الرمز، والحذاء الرمز
كانت هناك قصّتان قبل قصّة الحذاء. الأولى قصة شيخ الأزهر عندما ذهب إلى مؤتمر حوار الأديان بنيويورك، وهناك صافح شيمون بيريز. عند نشر الصورة قادت الصحافة المصرية تظاهرة كلامية ضد الشيخ. ردّ الشيخ في البداية أنه لم يعرف بيريز عندما صافحه، ثم عاد وقال إن مصافحته بيريز لن تهدّ فلسطين، ثم أصيب بوعكة صحيّة يُقال تأثراًً بالضغط، ورقد في المستشفى. القصة الثانية بدأت قبل أكثر من عامين وستبلغ ذروتها مع مطلع العام القادم، وهي قصّة "القدس عاصمة للثقافة العربية" في عام 2009. اختيرت القدس عاصمة للثقافة فجأة - حرفياًً فجأة - بواسطة وزراء الثقافة العرب. ثم اكتشفوا أنه من أجل الوصول إلى القدس والمشاركة في احتفالاتها يجب الحصول على تأشيرة إسرائيلية، فقرر المثقفون العرب عدم الذهاب. ثم التأم الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب الصيف الماضي وقرر أن الاحتفال مثل النيّة والنّية محلها القلب، وعليه التزم الجميع الاحتفال بالقدس في قلوبهم ومقاطعة الاحتفال الرسمي الذي ستقيمه فتح وحماس، كل على طريقته. إذا أضفتُ إليهما قصة حذاء منتظر الزيدي، فهذه القصص الثلاث جميعها كانت في حقيقتها قصصاًً تدور حول الرموز أكثر من كونها قصصاًً حول الواقع. وهناكَ هذا التزامن الغريب في لغة الكُتّاب والناس عموماًً بين الصخب الذي يقيمونهُ حولها ووعيهم برمزيتها. وعيهم يبرز واضحاًً خلال الكلام العاديّ، ويفسّر الكُتاب استغراقهم الجماعيّ في موضوع كالحذاء بأهميّة بُعده الرمزي. ففضلاًً عن رمزية فعلة الزيدي التي أشبِعَت تحليلاًً، لاموا شيخ الأزهر لأنه "رمز الأزهر"، ولأن المصافحة "رمز تطبيع"، ولأن بيريز "رمز العدو"، كلها رموز لكنّهم لاموه على أية حالٍ وأكثروا عليه. قصّة القدس هي المفضّلة عندي. القدس رمز الحق المسلوب. اختيارها عاصمة للثقافة العربية يرمز إلى إصرار العرب على عروبتها. لكن المرور عبر الحدود الإسرائيلية رمز للتطبيع، وقبول التأشيرة الإسرائيلية رمز للاعتراف بإسرائيل. النتيجة: قرار مقاطعة الاحتفال الرمز بالقدس المدينة الرمز وذلك رمز لرفض التطبيع. هناكَ تسارعٌ في صنع الرموز في هذه الثقافة إلى درجة أنها تتشابك وتتعارض كما في حالة القدس. الرموز اختصارات دالّة على الحياة والمواقف، لكن هناك تضخّماً في هذه الرموز، يصير الرمز أكبر من الموقف أو الشيء، يصير الرمز مرئياًً والواقع في الضباب، يصير الرمز هو الأساس والواقع هامشاً، ولهذا يتصلبون في تفسير الرمز ويتساهلون في قراءة الواقع. الحذاء كرامة، وزيارة القدس تطبيع، والمصافحات في مؤتمر حوار الأديان تخاذل. هذه الثقافة حيّة على مستوى الرمز لأنها ميّتة على مستويات أخرى كثيرة. تـَسكَر بالرمز لتنسى بليّتها كما يفعل أي بطل تقليدي في فيلم مصري أبيض وأسود. من أينَ لكَ بجمهور ٍ على وجه الأرض يُصدّق بهذه البساطة أن رجلاًً سيشتري الحذاء بعشرة ملايين؟ صدّقَ وانتشى، ولا أظنه أفاق وبكى بعد ذلك عندما قال الرجل العسيري أنه لا يملك حتى 50 ريالاًً، وأن المعوزين وقفوا ببابه بعد حكاية العشرة ملايين تلمساًً لـِفـُتاتها، وأنه "كان" سيقوم بحملة لجمع العشرة ملايين من أبناء المجتمع لشراء الحذاء. هذا سيرك للكوميديا السوداء. وهذا جمهور ٌ ثمِل. وهذه ثقافة حشيشها الرموز.000000000000

ليست هناك تعليقات: