الجمعة، 19 ديسمبر 2008

كاتب فاهم وشعوب دمها خفيف ومقاله تتيح قدرا من المعارف والابتسام

ختامها... «جزمة»
عبدالله ناصر العتيبي الحياة - 17/12/08//
قمت يوم الاثين الماضي بجولة «غوغلية»، مسحت العديد من المواقع العربية والأجنبية. وضعت أولاً اسم منتظر الزيدي باللغتين العربية والانكليزية في مربع البحث، وضغطت الزر السحري فنقلني إلى عشرات آلاف من المواقع، التي تناولت في صفحاتها حادثة رمي الحذاء على الرئيس الأميركي جورج بوش في بغداد. ثم عدت من جديد، وكتبت باللغة العربية في مربع البحث جملة «البطل منتظر الزيدي» فنقلني «غوغل» إلى ٦٤١٠ صفحات وصفت منتظر بالبطل.تجولت في المواقع وقرأت عشرات الصفحات التي تناوبت على تمجيد منتظر حيناً وحذائه حيناً آخر. مطولات أدبية وقصائد مدح وخواطر تتراوح بين الجودة والركاكة، كلها تصف العمل الذي قام به منتظر بالعظيم والتاريخي والاستثنائي. قرأت في المنتديات المغربية والجزائرية التي تناولت الحادثة حالة فرح عارمة، وشعرت بأن الإخوة المغاربة كانوا ينتظرون مثل هذا العمل، ليعبروا عن انتمائهم العروبي الذي وإن خفّ بريقه لبعض الوقت، فإن بعض الحوادث التاريخية «الجزموية» كفيلة بإعادته من جديد إلى مسربه الطبيعي. المنتديات المصرية «كالعادة» كانت في قمة انفعالها، كيف لا، والمصريون معروفون بعواطفهم الجياشة التي يمكن استثارتها بخيط جزمة، فكيف بجزمة كاملة، لا... بل بجزمتين. المصريون أكثر الشعوب العربية انتماء للقضايا العربية، ويتميزون بأنهم سريعو الانفعال وسريعو العودة من جديد إلى الهدوء، لذلك امتلأت المواقع الإلكترونية المصرية في اليوم الذي تلا الحادثة الشهيرة بآلاف الكتابات المؤيدة لجزمة منتظر. ثم غابت هذه الكتابات في اليوم التالي، وحلت بدلاً عنها كتابات أخرى تتحدث عن أزمة الرغيف والغزو الوهابي للقاهرة والفيلم الأخير لنيكول سابا.المنتديات الإلكترونية الشامية ركزت - على عكس المنتديات العربية الأخرى - على مدينة الصدر التي نشأ وترعرع فيها منتظر، ولم تنس أن تشير إلى توجهات منتظر الشيوعية، وربطت بعض هذه المنتديات بين جزمة منتظر «الطائرة» وصواريخ سكود العراقية التي كانت تتفجر في سماء إسرائيل. المنتديات اللبنانية شذت عن قاعدة المنتديات الشامية، وراحت تعقد المقارنات بين المؤتمر الصحافي للرئيسين المالكي وبوش، والخطابات الجماهيرية لزعماء مرحلة ما بعد الحرب في لبنان. أحد كتّاب المنتديات اللبنانية تساءل عن عدد الجزمات، التي من الممكن أن تنهمر على زعماء القضايا اللبنانية لو أنهم تحدثوا مباشرة إلى الناس من غير أن يضعوا زجاجاً عازلاً أو شاشة عملاقة تنقل صورتهم وصوتهم إلى الجماهير المحتشدة في العراء.المنتديات السعودية والخليجية كالعادة أيضاً كانت تبحث عن «منقاش» آخر، لتكتب فيه القصائد والمطولات الأدبية، لدرجة أن بعض كتاب هذه المنتديات تمنى لو تم إدخال فقرة رئيسية في برنامج شاعر المليون، تطلب من الشعراء المشاركين فيه ضرورة كتابة أربعة أبيات عن منتظر قبل الشروع في إلقاء قصيدة المسابقة.أظن أن من أراد أن يدرس طبيعة المجتمعات العربية، فعليه أن يعمل تجربة صغيرة على غرار ما عمله البطل منقاش ببندقيته في عام ٢٠٠٣ والبطل منتظر في ٢٠٠٨، ثم يبدأ في رصد ردود الأفعال العربية. العرب في عصورهم الحديثة يمكن دراستهم من خلال تشريح ردود أفعالهم أكثر من التعرض لأفعالهم. فالتاريخ العربي الذي أعقب الاستعمار مرتبط دائماً بعمليات رد الفعل التي تأتي على غرار: سنرميهم في البحر لو تجرأوا وقصفوا مدننا... أو... ستصل صواريخنا إلى قلب تل آبيب لو اخترقت طائراتهم مرة أخرى حرمة القصر الرئاسي... أو... سنحفر قبر أميركا الامبريالية لو اجتاحت بلادنا، إلى آخر هذه النوعية من ردود الأفعال لأفعال تمت او قد تتم أو لن تتم! لكن بمجرد أن يتجرأ أي عربي ويعمل فعلاً ما قد لا يكون له رد فعل من أي شكل، فتلك البطولة بعينها.ما قام به منتظر يعتبر من وجهة نظر الشعوب العربية المغلوبة على أمرها بطولة عظيمة، لأن هذه الشعوب ببساطة شديدة غير قادرة على القيام بعمل أكبر من هذا العمل ضد جورج بوش أو أميركا، لذلك فهي تجنح دائماً نحو مثل هذه النوعية من الأعمال «الجزموية»، التي ترضي بها الغرور المكسور منذ مئات السنين.عشرات المحامين العرب تبرعوا للدفاع عن منتظر، وعشرات التجار أبدوا رغبتهم في شراء الجزمة التاريخية «أحدهم عرض مبلغ عشرة ملايين دولار لشرائها»، ومئات الكتاب والصحافيين تناولوا الحادثة الجزموية «أنا واحد منهم»، وآلاف الناس قرروا اطلاق اسم منتظر على مواليدهم المنتظرة، ومنتظر يقبع وحيداً في السجن الحكومي العراقي، بعد أن أنقذه الأميركيون من بين يدين رجال الأمن العراقي، الذين كادوا يقتلوه خنقاً تحت أجسادهم التي تهاوت عليه بعنف «غير عروبي».شهر أو شهران وينسى العرب منتظر، لن تجد بعد شهر من الآن عربياً واحداً يتساءل عن المصير الذي آل إليه، الجميع سينساه، وسينشغلون عنه بالفرانكوفونية... ونيكول سابا... وأيهما جاء أولاً بيضة حماس أم دجاجة فتح... وآخر تعليقات جنبلاط المضحكة، كل العرب سينسونه بمن فيهم المحامون الذين أعلنوا عزمهم على الترافع عنه، طمعاً في الضوء الإعلامي لا أكثر، وحدها المؤسسات المدنية الأميركية التي ستقف معه حتى لو احتاج الأمر أن تكون في الخندق المقابل لخندق رئيس الولايات المتحدة الأميركية!
* كاتب وصحافي سعودي - أبو ظبي

ليست هناك تعليقات: