تعمير الطاسة في جنازة السياسة
بقلم :داود الفرحان -->من المفارقات في العراق المحتل ان رئيس مجلس النواب العراقي محمود المشهداني وهو رئيس الاتحاد البرلماني العربي الذي استقال أو »استقيل« قبل أيام, أو أقال نفسه أو أقيل هو أكبر الرجال الساخرين في المشهد العراقي الحالي.والمسئول الثاني في سلم السخرية هو رئيس الجمهورية جلال الطالباني الذي لا يتوقف عن إلقاء النكات حتي علي نفسه. فهو رجل »معمر الطاسة« دائما وابن نكتة. وأفتح قوسا هنا لاقول حقيقة غائبة عن كثيرين هي ان الشعب الكردي هو من أكثر الشعوب حبا للنكتة والسخرية, وهو لا يتردد في التنكيت علي الاكراد أنفسهم اذا حبكت النكتة. والذين لا يجيدون إلقاء النكات من الاكراد يجيدون الضحك منها, وهم يقهقهون عاليا اذا كانت النكتة من النوع الانفجاري والتي تبدأ عادة بعبارة »مرة واحد كردي« وما أكثر هذه النكات.أي ان رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب المستقيل هما أكبر رأسين ساخرين في العراق المحتل. أما رئيس الوزراء نوري المالكي فهو لا يضحك ولا يبتسم لانه »متوضي« إلا اذا سأله الصحفيون عن المصالحة الوطنية والمادة ٠٤١ من الدستور الخاصة بالحاق كركوك بالاقليم الكردي لانه يعتبرهما نكتة!وفي الواقع ان رئيس مجلس النواب المستقيل هو ارهابي في السخرية, فهو لا يوقر أحدا, ولا يفرق بين صغير وكبير. وهو كثيرا ما أطفأ نيران التراشق الكلامي بين النواب بتعليقاته الساخرة التي وصلت في إحدي المرات الي إتهام جميع أعضاء البرلمان بانهم ارهابيون وعملاء وأصحاب ميليشيات.لقد خسرت السخرية العراقية ساخرا كبيرا باستقالة أو إقالة رئيس مجلس النواب. فهو كان شجاعا في القاء النكتة السياسية. وهذه النكتة هي أخطر أنواع السخرية وأشدها كشفا للحقيقة, ولذلك وصفه البعض بانه المضحك في زمن البكاء. وكان يمزج النكتة والسخرية والمطرقة بالواقع المضطرب في البلد والفوضوي في مجلس النواب.ولو كانت للنكتة وزارة في الحكومة العراقية غير وزارة حقوق الانسان العاطلة عن العمل لما كان هناك أجدر بها ولا اشجع من الرجل الذي أقاله النواب أو »استقالوه«, ثم وقفوا في طابور يبكون عليه ويمدحون خصاله ووطنيته, وهو يبتسم من هذا النفاق الساخر!كان منظر هؤلاء الذين مشوا في جنازة رئيس مجلس النواب المستقيل وهو حي يرزق يدعو للرثاء ويكشف الي أي درك إنحدر الخطاب السياسي للاحزاب الحاكمة اليوم في العراق. فهم يقتلون القتيل ويمشون في جنازته. ولم يسأل أحد حتي الآن هؤلاء النواب: اذا كان الرجل المستقيل أو المقال يتمتع بكل هذه الخصال والمزايا فلماذا أرغمتموه علي الاستقالة؟ أم انكم تريدون رئيسا لمجلسكم مجرد خيال مآتة أو أراجوز تحركونه كيفما تشاءون وفق رياح الطائفية والعنصرية والفساد؟ لقد كانت اللقطة الأخيرة للمشهداني وهو يقرأ كتاب استقالته تلخص صورة العملية السياسية العراقية كلها. فقد كان يمسك بنظارته ويلوح بها بلا مبالاة مثلما كان يفعل حين يتبادل النواب الكلمات والاتهامات بالخيانة والعمالة والفساد. كان شعاره »بأسهم بينهم«, وكان يعرف جيدا ان معظم هؤلاء النواب مجرد "طراطير" تستخدمهم الولايات المتحدة وايران وليست لهم أي علاقة بالدفاع عن قضايا الشعب العراقي المنكوب بالاحتلال وحكومات الاحتلال. لقد قال حذاء منتظر الزيدي ما عجز عنه هؤلاء النواب.